محمد بن جرير الطبري
184
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
( والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار ) يقول تعالى ذكره : والذين صبروا على الوفاء بعهد الله وترك نقض الميثاق وصلة الرحم ، ابتغاء وجه ربهم ويعني بقوله : ابتغاء وجه ربهم طلب تعظيم الله ، وتنزيها له أن يخالف في أمره أو يأتي أمرا كره إتيانه فيعصيه به . وأقاموا الصلاة يقول : وأدوا الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها . وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يقول : وأدوا من أموالهم زكاتها المفروضة ، وأنفقوا منها في السبل التي أمرهم الله بالنفقة فيها ، سرا في خفاء وعلانية في الظاهر . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وأقاموا الصلاة يعني الصلوات الخمس ، وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يقول الزكاة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد الصبر : الإقامة ، قال : وقال الصبر في هاتين ، فصبر لله على ما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان ، وصبر عما يكره وإن نازعت إليه الأهواء ، فمن كان هكذا فهو من الصابرين . وقرأ : سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار . وقوله : ويدرءون بالحسنة السيئة يقول : ويدفعون إساءة من أساء إليهم من الناس ، بالاحسان إليهم . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ويدرءون بالحسنة السيئة قال : يدفعون الشر بالخير ، لا يكافئون الشر بالشر ولكن يدفعونه بالخير . وقوله : أولئك لهم عقبى الدار يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين وصفنا صفتهم هم الذين لهم عقبى الدار ، يقول : هم الذين أعقبهم الله دار الجنان من دارهم التي لو لم يكونوا مؤمنين كانت لهم في النار ، فأعقبهم الله من تلك هذه . وقد قيل : معنى ذلك : أولئك الذين لهم عقيب طاعتهم ربهم في الدنيا دار الجنان . القول في تأويل قوله تعالى :